محمد بن زكريا الرازي

381

الحاوي في الطب

لي : رأيت أن في أكثر الأمر يقوى النافض في الغب في النوبة الواحدة مشبها بحال كل مرض ، وذلك أن نافض كل غب يكون في أول أيام الحمى أقوى وكلما أمعنت نقص مقداره ، وكذا في النوبة الواحدة فإنه أول ما يبتدئ يكون قويا منذ أوله بخلاف الحال في الربع وذلك أنه كما أن الربع إنما يكون النافض في أول الحمى غير قوي ثم يقوى أولا أولا ما امتدت الأيام ، كذا في النوبة الواحدة يكون في أولها قليل القوة ثم يكون أقوى ما يكون في آخرها حيث تريد أن تبتدىء الحرارة ونافض الغب بالعكس . قال : حمى الغب وإن كانت تجعل النبض في أول نوبتها يظهر فيه صفر وإبطاء وتفاوت فإبطاؤه وتفاوته ناقص عن الكائن في الربع نقصانا كثيرا جدا وليس يخرج عن الحال الطبيعية في الصغر والإبطاء مستويا منتظما على الاستقصاء وذلك أنك لا تجد فيه اختلافا في نبضة واحدة ولا في نبضات كثيرة على أن هذا لا يكاد يوجد في أول شيء من الحميات . قال : فليس تخفى هذه الحمى حين تبتدىء على من رآها مرات كثيرة ثم يتبين أمرها جيدا في وقت تزيدها وذلك أن سرعة النبض تكون مستوية غير مسرعة . لي : ينظر في ذلك في نسخة أخرى وأنا أظنها مقطوعة وتصير إلى العظم والشدة سريعا وبحسب ذلك تغير وليس توجد فيه العلامات التي تدل على المرض . لي : افهم الحمى . قال : ويعرض في هذه الحمى عطش ولهب ولا تلبث إلا اليسير حتى ينتهي منتهاها وتجد الحرارة منتشرة في البدن كله بالسواء ولا تجد في الصدر فضل حرارة على الأطراف وإذا وضعت يدك على البدن كله لقيتك أولا حرارة كثيرة كأنها ترتفع من بخار ثم لا تلبث أن تخور فتقهرها يدك وليست كحرارة الحمى المحرقة الخبيثة فإن في تلك إذا وضعت يدك على البدن كلما لبثت عليه كانت أحر وأشد أذى لليد وأخبث . قال : ثم إن الوقت في الغب الذي يشرب فيه المريض الماء فيحصر فتراه حين يشربه يرتفع من بدنه بخار لا يلبث ينفذ من الجلد ينذر بعرق ويتقيأ مرارا أصفر وربما اختلف اختلافا مراريا وبال بولا مراريا ففي هذا الوقت يعذر الطبيب في هذا العلم أن يعرف هذه الحمى أعني الغب الخالصة وذلك أنه يبتدئ فيها عرق كثير بخاري حار كالعرق الذي يعرقه الإنسان في الحمام . لي : ينظر في نسخة أخرى أحسبه يحتاج إلى الحمام ويكون ذلك العرق مستويا في البدن كله ويصير النبض في مثل هذه الحال التي يكون عليها نبض الصحيح في حال الرياضة أو في حال دخول الحمام أعني أن يكون سريعا عظيما قويا متواترا وقد كان منذ أول الأمر مستويا . لي : تحصل من هذا أن يكون سريعا عظيما مستويا ثم من بعد هذه الأشياء كلها يسكن تزيد النوبة الواحدة وتقلع إقلاعا تاما وليس يجوز مقدار طول نوبة هذه الحمى الخالصة التي كلامنا فيها اثنتي عشرة ساعة ، فأما في أكثر الحالات فربما كان مقدارها سبع ساعات فقط أو أقل من هذه بقليل أو أكثر .